الشوكاني
332
فتح القدير
فنسبوها إليه على وجهة التعيير والتوبيخ ، حكاه ابن جرير ولم يسم قائله وهو ضعيف ( ما كان أبوك امرأ سوء ، وما كانت أمك بغيا ) هذا فيه تقريره لما تقدم من التعيير والتوبيخ ، وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون ( فأشارت إليه ) أي إلى عيسى ، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق ، لأنها نذرت للرحمن صوما عن الكلام كما تقدم ، هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في أيام نذرها ، وعلى تقدير أنها قد خرجت من أيام نذرها ، فيمكن أن يقال إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة ، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ويقدر على العبارة ( قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم . قال أبو عبيدة : في الكلام حشو زائد . والمعنى : كيف نكلم صبيا في المهد كقول الشاعر : وجيران لنا كانوا كرام * وقال الزجاج : الأجود أن تكون من في معنى الشرط والجزاء ، والمعنى : من يكون في المهد صبيا فكيف نكلمه . ورجحه ابن الأنباري وقال : لا يجوز أن يقال إن كان زائدة وقد نصبت صبيا ، ويجاب عنه بأن القائل بزيادتها يجعل الناصب له الفعل ، وهو نكلم كما سبق تقديره ، وقيل إن كان هنا هي التامة التي بمعنى الحدوث والوجود . ورد بأنها لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر ، والمهد هو شئ معروف يتخذ لتنويم لأن الصبي . والمعنى كيف نكلم من سبيله أن ينوم في المهد لصغره وقيل هو هنا حجر الأم ، وقيل سرير كالمهد ، فلما سمع عيسى كلامهم ( قال إني عبد الله ) فكان أول ما نطق به الاعتراف بالعبودية له ( آتاني الكتاب ) أي الإنجيل : أي حكم لي بإيتائي الكتاب والنبوة في الأزل ، وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبيا ، وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبيا في تلك الحال ، وهو بعيد ( وجعلني مباركا أين ما كنت ) أي حيثما كنت ، والبركة أصلها من بروك البعير ، والمعنى : جعلني ثابتا في دين الله ، وقيل البركة هي الزيادة والعلو ، فكأنه قال : جعلني في جميع الأشياء زائدا عاليا منجحا ، وقيل معنى المبارك النفاع للعباد ، وقيل المعلم للخير ، وقيل الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ( وأوصاني بالصلاة ) أي أمرني بها ( والزكاة ) زكاة المال ، أو تطهير النفس ( ما دمت حيا ) أي مدة دوام حياتي ، وهذه الأفعال الماضية هي من باب تنزيل ما لم يقع منزلة الواقع تنبيها على تحقق وقوعه لكونه قد سبق في القضاء المبرم ( وبرا بوالدتي ) معطوف على مباركا ، واقتصر على البر بوالدته لأنه قد علم في تلك الحال أنه لم يكن له أب ، وقرئ " وبرا " بكسر الباء على أنه مصدر وصف به مبالغة ( ولم يجعلني جبارا شقيا ) الجبار المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه حقا ، والشقي العاصي لربه ، وقيل الخائب ، وقيل العاق ( والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ) قال المفسرون : السلام هنا بمعنى السلامة : أي السلامة علي يوم ولدت . فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت ولا أغواني عند الموت ولا عند البعث ، وقيل المراد به التحية . قيل واللام للجنس ، وقيل للعهد : أي وذلك السلام الموجه إلى يحيى في هذه المواطن الثلاثة موجه إلي . قيل إنه لم يتكلم المسيح بعد هذا الكلام حتى بلغ المدة التي تتكلم فيها الصبيان في العادة . وقد أخرج سعيد بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس في قوله ( فأتت به قومها تحمله ) قال : بعد أربعين يوما بعد ما تعالت من نفاسها . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل نجران ، فقالوا أرأيت ما تقرأون ( يا أخت هارون ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ، قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم ؟ وهذا التفسير النبوي يغنى عن سائر ما روى عن السلف في ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال : كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه ،